السعيد شنوقة

313

التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة

والزمخشري مفسّر نقليّ يذكر في تفسيره سبب النزول ومناسبته ، ويسند الرواية إلى أصحابها ؛ فقد قال في الآية : إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها [ البقرة : 26 ] عن الحسن وقتادة لما ذكر الله الذباب والعنكبوت في كتابه وضرب للمشركين به المثل ضحكت اليهود ، وقالوا : ما يشبه هذا الكلام كلام الله ؛ فأنزل الله عز وجل هذه الآية « 1 » . وقال : وهو يفسر بالمأثور كذلك حين كان يتحدث عن ضرب المثل بالذباب والعنكبوت عند قوله تعالى : فَما فَوْقَها بأن فيه معنيين : الأول : ما تجاوزها وزاد عليها في المعنى الذي ضربت فيه مثلا وهو الحقارة والقلة . الثاني : ما زاد عليها في الحجم ، وكأنه أراد أن يرد ما استنكروه من ضرب المثل بالذباب والعنكبوت لأنهما أكبر من البعوضة كقولك : فلان بخل بالدرهم والدرهمين وهو لا يبالي أن يبخل بنصف درهم فما فوقه ، يقصد بما فوقه الدرهم والدرهمان « كأنك قلت فضلا عن الدرهم والدرهمين » « 2 » . ولما كان المعتزلة يعتقدون على خلفية السببية أن الإشراك بالله تعالى والإضلال من جملة المخلوقات التي تخرج عن مخلوقاته عز وجل لاعتقادهم أن الإنسان هو الذي يخلقها ، أورد الزمخشري من النقل ما يدعم به رأيهم قائلا : « عن مالك بن دينار - رحمه الله - أنه دخل على محبوس قد أخذ بمال عليه وقيّد . فقال : يا أبا يحيى أما ترى ما نحن فيه من القيود ؟ ! فرفع مالك رأسه فرأى سلّة ، فقال : لمن هذه السلّة ؟ فقال : لي . فأمر بها تنزل . فإذا دجاج وأخبصة ، فقال مالك : هذه وضعت القيود على رجلك » « 3 » . وقد ردّ أهل السنة معنى هذا التفسير الذي يذهب إلى أن الله سبب الإضلال وليس خالقا له وكالذي اتضح في أن السلة سبب قيد هذا الرجل المحبوس ، وبأن إسناد الفعل لله تعالى مجاز لا حقيقة « 4 » .

--> - تحقيق أحمد عبد العليم البردوني ، دار الشعب ، القاهرة ، 1372 ه ، ط 2 ، ج 2 ، ص 22 - ج 6 ، ص ، 8 وابن منظور ( ت 711 ه ) لسان العرب ، دار صادر بيروت ، ط 1 ، ج 9 ، ص ، 271 وشهاب الدين أحمد بن محمد الهائم المصري ( ت 815 ه ) التبيان في تفسير غريب القرآن ، ج 1 ، ص 98 - ، 195 وكذا شهاب الدين أبي الفضل أحمد بن علي ( ت 852 ه ) ، العجائب في بيان الأسباب ، ص 279 - ، 280 ، وكذا السيوطي ( ت 911 ه ) ، الدر المنثور ، دار الفكر ، بيروت ، 1993 م ، ج 1 ، ص 214 . ( 1 ) الكشاف ، ج 1 ، ص 263 . ( 2 ) الكشاف ، ج 1 ، ص 265 . ( 3 ) م ن ، ج 1 ، ص 267 . ( 4 ) انظر ابن المنير ، الإنصاف ، هامش الكشاف ، ج 1 ، ص 267 - 268 .